من قصص أُمي

🌸🌸🌸🌸🌸
كانت أمي إمرأة تعيش بفطرتها وسجيتها التي خلقها الله بها وهي كحال باقي الأمهات تخاف الوحدة وتحذر من الوحشة التي قد تعيشها أواخر العمر ..
فكانت تحاول ان تعظنا وتحذرنا من إهمالها عند بلوغها أرذل العمر اذا وهبها الله عمرا لذلك كانت بلذيذ كلامها تتحفنا بتلكم القصص الرائعة كل ليلة نقضي معها أطيب الأوقات وأنفع العبر والثمرات ..
فكان مما أخشعت أسماعنا به وتفتحت قلوبنا عليه وأندت مدامعنا لأجله تلك القصة التي أذكرها وكأنني لازلت أسمعها بذلك الصوت الملائكي صوت أمي ست الحبايب ..فكنّا نهفو بشوقٍ أنا وأخوتي نلتف ببراءة حولها كنجومٍ حول كوكب من الضياء يملؤنا نورا وحنانا فنزدان سرورا كأننا نُنافس ونُثير غيرة نجوم السماء التي تعلونا ويغمرنا دفء مشاعر وأمان كم إفتقدتهما منذ غياب أمي عن عالم الدنيا ..
فأذكر مما قالت أمي رحمها الله تعالى إنه
كانت هناك أرملة شابة آثرت العيش لطفلتها ووهبتها كل حياتها وما بقي من عمرها لتكون تلك البنت الوحيدة هي كل عائلتها ..ومرت السنون والأعوام ثقيلةً وصارت تلكم الطفلة شابة يافعة تخطف القلوب قبل الأبصار بجمالها وسحرها الفتان وبدأت أيدي الرجال تطرق بابهم الى أن وصل فارس الأحلام وتم الإقتران بمباركة الأم وتعالت الزغاريد والأفراح ولم تتمنَ الأم أكثر من أن ترى ابنتها تغمرها السعادة في أحضان رجل شهم يصونها ويسعدها ولم تطلب شيئا إلّا طلب وحيد وهو أن لا يقطع هذا الزواج مابينهما من رحم وخاصة إن السنوات قد أخذت من الأم مأخذا ولم تترك لها من الصحة والبصر الا القليل وان لا يمنع إبنتها من زيارتها وبَرّها متى ماأرادت ..
فكان كما طلبت الأم ولكن لم يدم الالتزام بذاك العهد طويلا حتى أنقضته الحياة بمشاغلها وزبرجها وتناسى الزوجان عهدهما وإنشغلت البنت عن بر والدتها.. بحياتها الجديدة واطفالها ..
ولكن يبقى الطيب أصله مهما حاولت الدنيا وأد الخير في قلبه وإشغاله عن عموده وجنة الله في أرضه ، فلابد من ان تأتي ساعة يفيق فيها ضميره ويعود لأصله ..
ففي يوم ما فزعت تلك البنت من رؤية في المنام أيقضتها مرعوبة وهي ترى أحدى بناتها قد أكلت النيران ثيابها وكادت أن تلتهم جسدها ..فما كان منها الا أن هرولت مرعوبة لتطمئن على طفلتها لترى إنّه مجرد حلم فقط وطفلتها نائمة آمنة كملاك صغير، فقالت في نفسها لعل هذا رحمة واعظ من الرحمن لأنتشالي من غفلتي وتقصيري بحق أُمي …فما كان من تلك الرؤية الا انها أيقضت في روحها جذوة الحنان لست الحبايب وتلك الأم الرؤوم فطلبت من زوجها الإذن لزيارتها لكنه رفض متعذرا بآلاف الأعذار ، وما أكثرها لمعتذر ومتوانٍ !! لكن قبس الحنان أيقضها ولم تتمالك دموعها وتوسلها بأن يأذن لها بمعاودة زيارة أمها والاطمئنان عليها .. نعم فهيهات بعد ذلك تتغافل جاحدة لتلك الأضلاع التي آوتها والاحضان التي هجرت الدنيا لأجل تربيتها وكفالتها آمنة في صغرها ..
فَلم يكن أمام الزوج الا إستجابة لطلبها لكن بشرط مادي بخس.. قالت : قل ما بدا لك ، لك ماتريد ولك عهدي .
قال : أذنت لكِ في بر والدتك لكن البيت بيتي فلا تُدخليها فتُفسِد عليّ حياتي بأمراضها وعللها ولعلها تُنقل عدوى لأطفالي وكذلك
المال مالي ولا أسمح لكِ أن تصلين أمك بتعبي وحلالي لتدخلي الجنة بثمن أدفعه من عرقي وجهدي .!! .
قالت : وقد نطقت النعم مبحوحة متحشرجة بغصة الدمع لكَ ذلك ..
فما كان من هذا الزوج البخيل الا إنه قبل خروجه يكيل الطحين ويعدُّ قطع اللحم وكل شئ من المأكول والمشروب ويُقَسّمه على عددهم هو وأولاده وزوجته ظانا بذلك منعها من أن تُطعم أُمها بشئ منه .
فما كان من هذه البنت البارة الا أن تقوم بأخذ وقطع قطعة وقسم صغير من حصتها لا يكاد يؤثر لا كما ولا نوعا بتلك المأكولات
وتذهب به لوالدتها تطعهما وتنظف دارها وتؤنس وحشتها وتقضي معها ساعة أو ساعتين ثم تُودع أُمها وهي منشرحة تظللها أطيب الدعوات وأصدقها وتُغشيها رحمة ورضا من رضا الرحمن يسكن قلبها عندما تسمع صوت أمها وهي تدعو لزوجها وذريتها ..قائلة في نفسها يارب ماجزاء الأحسان الا الاحسان اللهم اهدي قلب زوجي وأجري ينابيع الحب والرأفة في صحراء روحه ..
وفي يوم من الأيام تنبّه الزوج أن زوجته لا يرف لها جفن ولا تتألم لقسوته على والدتها ومنعه إياها من مساعدة أمها مع علمه و معرفته بحنان تلك الزوجة ومخافتها من الله تعالى ..فلطالما وقفت في جانبه وأيقظته من غفلة وتقصير بحق أبويه وبرهما ..وتارة ترشده لما فيه الصلاح والإصلاح في عمله ورزقه ..
فقال لابد أن اقتفي أثرها لأرى كيف تصنع ومن أين تطعم تلك الأم العجوز!! ليكتشف الحقيقة فحكمة ورصانة تفكير زوجته قد بعثت الراحة في نفسه وأثلجت صدره لإنقاذه من شر نفسه لأن بخله لم يتسبب له بمزيد من الأثم والظلم فقد ساعدته تلك البنت الرحيمة على تفادي الوقوع في أثم قطيعة الرحم وظلم من لا ناصر له الا الله تعالى لانّه مهما أحكم قبضته على شى قد ينجح بتقييده الأ الحُب والبر بالوالدين لم

ولن يتمكن من نزعه أو محوه من قلب زُرع فيه وأثمر وصارت له جذور وأغصان ..
فما كان له الا أن يعتبر العبر ويشكر الله تعالى على نعمة الزوجة الصالحة معتذرا لزوجته على قطيعته إياها ومنعها بر والدتها ..
إن الذكرى تنفع المؤمنين فبعض قطع الطعام الصغيرة لا تسبب جوعا لفقدها لكنها أشبعت جوفا جائعا ..فكيف بهذا الجوف وقد كان مسكنا و ملاذا حيث لا يحمل أحد احدا !!
وبعض الأرغفة لا يكيلها كيل البشر لحقارتها وخفتها لكنها تثقل الميزان عند رب البشر
وبعض الوقت اليسير من معظم الوقت له ولأطفاله وحياته وخدمته فهذا الوقت اليسير مع قصره وضآلته كانت زوجته قد أمضته برفقة والدتها لم ينقص من العمر شيئا بل على العكس تماما لعلها سببا لبركة العمر والمال والولد لكليهما ..
يا ربي يا لها من قصة بعد مرور عشرات السنين أذكرها وقد أرويها لأطفالي لعل برهم يدفئني ويحميني من صقيع شتاء ارذل العمر ..

رحمك الله يا أمي كم أعطيتنا من الدروس والعبر على الرغم من كونك لم تتخرجي من جامعة ولم تفتحي كتابا بل كنتُ طالبة مجدة في مدرسة الحياة ونتائج الامتحان قد رُسمت فوق جبهتك تجاعيدا قاسية على تلك البشرة الناعمة ..لا ..لا بل هي خطوطا من نور ..
وكم زرعتِ في أرواحنا من حب الخير للناس والإثار ،وووو
فيا لعجزي عن مجازاتك بالدعاء والاستغفار ومهما اجتهدت في جميع وجوه الخير وإهداء ثوابها لروحكِ الطاهرة فهي ثمن بخس لما أفنيت من أجلي ..لذلك الجأ دوما الى الدعاء لكِ مقتبسة ذكركم كما ذكركم الله جل وعلا في أشرف الذكر حيث قال تعالى :
{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا }.
اللهم أرحم جميع الأمهات رحمة تغنيهن عن رحمة من سواك .

بقلم :: الحاجة بتول محمد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات