♦️و اقصد بقلبك للطواف

 

قال تعالى { واذكروا الله في أيام معدودات }[ البقرة،٢٠٣]

حججتُ الى بيت فلان ؛ أي قصدتهُ للزيارة، هكذا كان الحج في اللغة معنىً مطلقاً يُطلق لكل قصدٍ ، ثم نقلته الشريعة إلى قصد الزيارة الى بيت الله الحرام ، وهو ما اسمته كتب فقه اللغة بالإلفاظ الإسلامية ، لوجود وجه شبه بيت المعنى اللغوي والمعنى الشرعي المتمثل بالقصد .فلا عبثية في اللغة والشريعة .
ونعلم إن لكلِّ قصدٍ نية ، وكلّما خلُصت النّيات كلّما كان العمل مقبولاً ،هكذا أدبنا نبيّنا والأئمة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ) في تعاليمهم ورواياتهم بإخلاص النيات لله سبحانه
فقال تعالى : (إنّما الأعمال بالنّيات ولكل امرىء ما نوى).
والنية هي المرتكز ،و هي الرابط بين العبد وربه ، فكلُّ شيءٍ لوجهه الكريم الباقي بعد فناء كل شيء، وما كان خالصاً لوجههِ الكريم فهو باقٍ بعد فناء كلِّ شيء….
لنعد للقصد ، فقد يحدث مانع يمنع الإنسان عن الوصول الى مقصده ، ولكن الموانع لاتقطع الوصال بهم …
فقد ذكرت كتب السيرة عن المنع الذي لاقاه الشيعة عن زيارة أهل بيت النبوة (عليهم السلام ) ، فلم يمنعهم ذلك المنع من الوصال .
لذا نقرأ في كتب الزيارات (الزيارة عن بعد) تقول : قصدت بقلبي زائرا اذ عجزت عن حضور مشهدك …..

نعم ففي المقالة المشهورة؛ ( البعد بعد القلوب لا بعد الدروب) …
وعن ذلك القصد القلبي ، يُذكر أنّ الشيخ النراقي -صاحب كتاب جامع السعادات – بعث برسالة الى النجف الأشرف حيث المجتهد الكبير السيد محمد مهدي بحر العلوم (قدس سره)، تتضمن رسالته بيتين من الشعر يخاطبه فيها :
الا قل لسكان ارض الغري
هنيئا لكم في الجنان الخلود
افيضوا علينا من الماء فيضا
فإنا عطاشى وانتم ورود

فأجابه السيد بحر العلوم (قدس سره) بهذه الأبيات:
ألا قل لمولى يرى من بعيد
ديار الحبيب بعين الشهود
لك الفضل من شاهد غائب
على شاهد غائب بالصدود
فنحن على القرب نشكو الظمأ
وفزتم على بعدكم بالورود

ولنا محل شاهد هنا فإنّه قد يكون القريب الغافل هو الغائب في الحقيقة، والبعيد الذاكر هو الحاضر في الحقيقة

ففي هذا العام حُرم المسلمون من الحج وزيارة بيت الله الحرام، ولايخفى أنّ ما حدث في هذه السنة من بلاءٍ وغلقٍ للمشاهد المقدّسة ودور العبادة حدثٌ نادر ، ولم يرد مثله سابقا …

فجميل بالمؤمن في هذه الأيام ان يقصد بيت الله بقلبه، وجميل ان نملاء بيت الله بالقلوب الوالهة ، و بالقلوب المشتاقة، لنحج إليه حج القلوب ، فقد ذكر القران دعاء النبي إبراهيم (عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا وآله الصلوات ) بقوله تعالى : {فاجعل افئدةمن الناس تهوي اليهم}[ابراهيم ٣٧] .
إنّها القلوب يا إخوتي وأخواتي فلنُعرج بقلوبنا الى بيت الكريم لاجئين . .

ولنختار ساعة مناسبة لنا ، من ليلٍ أو نهارٍ ، و في يوم التروية أو في يوم عرفة يوم التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، كي لاتفوتنا ساعة الحج الى بيت الله قاصدينه بالقلوب ….

فقد ورد في كتب الأحاديث حديثاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) -أورده بعض كتّاب الحديث بعنوان آداب المراقبين- قال فيه (عليه السلام) : اذا أردت الحج فجرد قلبك لله تعالى من كلِّ شاغلٍ، وحجاب كل حاجب، وفوض أمورك كلها الى خالقك ، وتوكّل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك، وسلّم لقضائه وحُكمه وقدره، ودع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين …….
ثم اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع
واحرم من كل شيء يمنعك من ذكر الله ويحجبك عن طاعته، ولب بمعنى اجابة زاكية لله عز وجل في دعوتك متمسكا بعروته الوثقى

وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش ….

بقلم /سلوى الكناني
مجمع المبلغات الرساليات الكرخ الثانية

__________________________

المصادر :

-القران الكريم
-مفردات الراغب مع ملاحظات العاملي
-منطق المظفر
-تهذيب الاحكام للشيخ الطوسي
-بحار الانوار العلامة المجلسي
-ميزان الحكمة محمد الري شهري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات