خديجة بنت خويلد (عليه السلام) بمنظور عصري
بقلم :: نهاد الزركاني
في التاريخ الإسلامي، تبرز خديجة بنت خويلد (عليه السلام ) ليس فقط كزوجة أولى للنبي محمد( صل الله عليه وآله وسلم) ، بل ككيان متفرد شكّل نموذجًا استثنائيًا لدور المرأة في مجتمع ما قبل الإسلام. لكنها، على الرغم من عظمتها، بقيت أسيرة سردية محدودة، تُختزل في صورة “الزوجة الوفية” التي دعمت زوجها، دون أن يُنظر إليها باعتبارها فاعلًا مستقلًا يحمل قراراته وأثره. لكن، ماذا لو أعدنا النظر في خديجة من زاوية فلسفية أبعد من التصورات التقليدية؟ هل كانت إرادتها حرة بالفعل؟ أم أنها خضعت، بطريقة ما، لحتميات اجتماعية؟
الإرادة الحرة أم الحتمية الاجتماعية؟
إذا نظرنا إلى خديجة في سياقها الزمني، نجد أنها كانت سيدة أعمال تسيّر تجارتها بنفسها، تختار موظفيها، وتقرر من تتزوج. يبدو هذا نموذجًا لإرادة حرة لا تخضع لقوانين القبيلة الذكورية. لكن، هل كانت خديجة استثناءً سمح به ظرف اجتماعي معيّن، أم أنها كسرت حدودًا كانت موجودة بالفعل؟ إذا افترضنا أن المرأة في قريش لم تكن تمتلك حرية اتخاذ قرارات كبرى، فكيف أمكن لخديجة أن تفعل ذلك؟
هنا، نلمس تقاطع الفلسفة الوجودية مع الواقع الاجتماعي. هل يمكن لشخص ما أن يكون “حُرًّا” في مجتمع لا يسمح بذلك؟ أم أن الحرية ليست سوى هامش تتحرك فيه الإرادة ضمن حدود غير مرئية؟ ربما لم تكن خديجة رمزًا للحرية المطلقة، بل حالة نادرة أتاحتها ظروفها الاقتصادية، وهو ما يقودنا إلى السؤال التالي.
المال كأداة للتحرر: الحرية أم الامتياز؟
كان لثروة خديجة دور محوري في صنع استقلاليتها. لم تكن بحاجة إلى رجل يعيلها، بل كانت هي التي تختار من يعمل لديها، بل وتخطب زوجها بنفسها. هذا يفتح باب التساؤل الفلسفي: هل كان استقلال خديجة نابعًا من قوتها الشخصية، أم من امتيازاتها الاقتصادية؟
في هذا السياق، يمكننا مقارنة وضع خديجة بنساء أخريات في عصرها لم يمتلكن ذات الحظوة المالية. هل كانت النساء الأخريات مقيدات بسبب التقاليد، أم بسبب افتقارهن إلى النفوذ الاقتصادي؟ وإذا كان المال هو مفتاح الحرية، فهل هذا يعني أن الاستقلال ليس قيمة ذاتية، بل امتياز طبقي؟
إعادة تعريف السلطة: القوة الناعمة أم النموذج المنسي؟
عادةً ما يُنظر إلى السلطة من زاوية الذكورية القادرة على فرض الأمر الواقع، لكن خديجة تقدم نموذجًا مختلفًا للنفوذ. لم تكن صاحبة سلطة سياسية، لكنها كانت صاحبة تأثير اقتصادي وعاطفي استثنائي.
هل يمكن اعتبار خديجة نموذجًا مبكرًا لما يسميه الفلاسفة بـ”القوة الناعمة”؟ لقد دعمت الدعوة الإسلامية في بداياتها، ليس فقط بالمال، بل أيضًا بالمساندة النفسية والفكرية. وهنا يتضح أن السلطة لا تعني الهيمنة فقط، بل قد تكون قائمة على الاحتضان والتمكين.
لكن، لماذا تراجع هذا النموذج بعد وفاتها؟ لماذا لم تصبح خديجة مرجعًا للمرأة المسلمة في عصور لاحقة كما حدث مع زوجات النبي الأخريات؟ هل لأن نموذجها كان يتناقض مع الأدوار التقليدية التي فرضت لاحقًا على النساء؟
التاريخ وصناعة النماذج: لماذا لا تُذكر خديجة كنموذج للمرأة المستقلة؟
في الفلسفة التاريخية، هناك سؤال جوهري: هل يخلق التاريخ النماذج، أم يعيد تشكيلها وفق حاجاته؟ خديجة كانت امرأة استثنائية، لكنها لم تُقدَّم للمرأة المسلمة عبر العصور كنموذج للاقتدار والاستقلال، بل اختُزلت في صورة “الزوجة الداعمة”.
لماذا لم تُبرز السردية الإسلامية الكلاسيكية نموذج خديجة كسيدة أعمال حرة ومستقلة، بينما جرى التركيز على جوانب أخرى من حياة زوجات النبي؟ ربما لأن وجود نموذج كهذا كان سيطرح إشكالية أمام المؤسسات الدينية اللاحقة التي أرادت رسم أدوار أكثر تقليدية للنساء.
هل التضحية دائمًا اختيار؟
من بين أكثر الجوانب المثيرة للتأمل في حياة خديجة هي تضحياتها للنبي محمد في أصعب مراحل الدعوة. دعمت دعوته ماليًا، ووقفت إلى جانبه رغم الاضطهاد، وعاشت ظروفًا قاسية في شعب بني هاشم.
لكن هل كان هذا خيارًا واعيًا، أم أن الدور المجتمعي للمرأة جعلها ترى التضحية كضرورة؟ في الفلسفة النسوية، هناك مفهوم مهم يُسمى “التضحية المفروضة”، حيث يتم دفع النساء إلى تقديم التضحيات تحت غطاء الحب والإخلاص، بينما يكون هذا الأمر جزءًا من بنية اجتماعية تضع المرأة في موقع الداعم دائمًا، لا الفاعل.
خاتمة: خديجة كنموذج فلسفي مفقود
إن قراءة خديجة بنت خويلد خارج الإطار التقليدي تفتح لنا أبوابًا لفهم أعمق لديناميكيات السلطة، ودور المال في الحرية، وصناعة السرديات التاريخية. ربما لم تكن خديجة مجرّد زوجة داعمة، بل كانت نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن تكون عليه المرأة عندما تمتلك قرارها.
لكن، إذا كان النموذج موجودًا منذ أكثر من 1400 عام، لماذا لا يزال غائبًا في وعينا المعاصر؟ هذا سؤال يستحق أن يُطرح.