رؤيا فاطمة

أماه ..أماه !
صوت قد تحشرجت عبراته وامتلأ ألماً .. به نادت فاطمة مستيقظة من نومها تجهش بالبكاء وقد ابتلت وسادتها ..وعجزت حتى  أن تستوي جالسة واستمرت تنادى أمها وهي في فراشها باكية ..
أسرعت اليها والدتها فاحتضنتها لِتُسكّن روعتها ..
فاطمة حبيبتي ما بكِ ؟
خيرا رأيتِ ! إن شاء الله .
أماه لقد رأيت رؤيةً أفزعتني ..
لا..لا  هي ليست بمفزعة هي مؤلمة ..مؤلمة  يا أمي؛ واسترسلت بكلماتها وهي تنطقها بصعوبة تكاد لا تَتَميز لوالدتها الكلمات من شدة بكائها ،
قالت فاطمة : كأنني في منامي رأيت نفسي في كربلاء .. أنظر من مكان بعيد بعيد جداً لكنني أشعر أن روحي تلامس رمال الطف  ..فلقد كانت الشمس مُحمَرة خَجِلة ، والسّماء قد بدأت تُسدِل حجابها على مُخدّرات بيت النبوة؛ فلم أميّز لهن صوتاً ولا صورة، لكنني أرى أطيافهم فقط ..
قالت أمها : فاطمة حبيبتي لقد غفوتِ برهة فقط.. قبل قليل كنتِ معي نُحضّر طعام ضيوف سيد الشهداء عليه السلام ، وقلتِ لي : إنّكِ هذه السّنة تريدين أن تنالي شرف توزيع تلك الأطباق..
بنيتي ليس فقط اليوم هو يوم عزاء بل حقيقةً العزاء مقيم في قلوبنا منذ أكثر من الف وأربع مائة سنة ..وتحسّرت بحرقة؛ خسارتنا يا ابنتي كبيرة وكسرنا لا يُجبره الا ظهور بقيّة الله الأمل المنتظر عجل الله فرجه ..
ماذا رأيتِ في منامكِ هيّا حدثيني !
قالت فاطمة : كأني أسمع صوت نحيب مختنق بدخانِ حرق الخيام ،  وأنين ينسكب له سواد العين دمعاً وحرقة ، أماه موقف رهيب أذهلني وأذهب عقلي ؛ لكنني أذكر بعض الصور التي عَلِقت في مُخيلتي من حلمي فقط .
أماه رأيت كأن نشيج بكاء سيدتي الرباب ملأ أسماعي؛ يسبّح ويهلّل لله الرحيم.. ، وقد أنهكها المسير؛ بين لوعة فقد الأحبة وسياط جحود القساة الغَدَرة ، وقد أحرقت رمال الطّف قدميها فَلَم تتمكن من الوقوف طويلاً ، نعم لقد قاومت سيدتي مراراً  قاومت  السقوط إعياءً ، وتحملت بكلِّ صلابة وقوة حتى أنها لا تفقد وعيها على مرأى من الأعداء ، فاتكأت إلى كتف سيدتي جبل الصبر فيغمرها الأمن وهي في كنف ملاذها لتستمد منها قوة ،وصبراً ،وعزاءً ، لكنها يا أمي  طال اتكاؤها وسَكنت أنّاتها وكأنها غشيتها سِنة، فَخيّم الصمت  ينتحب إستعباراً من عِظَم الرزيّة  فأولى للمغيب أن يطالب الليل ان يأتي ستاراً وحجاباً عظيماً لسيداتي بنات النبوة وفخر النساء .
وكأني يا اماه ارى كف مولاتي العقيلة تربت على كتف سيدتي الرباب قائلةً :أخيتي هوّني عليكِ ، في عين الله ماتجدين .
فكأني رأيت بمنامي ان  السيدة الرباب كفكفت دموعها ورفعت رأسها من كتف مولاتي العقيلة تنظر بطرف خَجِل بسبب إجهاشها بالبكاء فقد هوّمت عيناها سِنَةً ..ثم أخذتْ تَقُصُّ على مولاتنا زينب ما رأت في غفوتها ، أتذكر يا أمي صوتها الرخيم الباكي  وقد وقعت كلماتها في قلبي قبل سمعي يا أمي فكان مما قالت :  كأني رأيت سيدي أبا عبد الله قد أحضر لي رضيعي سالماً مبتسماً وطلب ان أُرضعه فلما اقترب مني  وناولني إياه أسرعت وتلقفته  لأحضنه لكن .. هالني رؤيةُ شفاهه قد ذبلت عطشا فحملته بين ذراعيّ وهو ممسك بخماري بين أنامله الرقيقة وبقيتُ قابعةً لأرضعه لعلي أخفف عنه مايجد ..فارتضع ولدي حتى ارتوى وشممتُ فيه عطر العافية فسَكنت لوعتي ..واشرق محياه برداً وأمناً ،  وبدأتُ بمناغاته وهو يردّ عليّ بأجمل منها ..آه … يالعذوبة صوته وجماله سبحان من خلق فأبدع ،  وسيدي ابو عبد الله يغشينا برحمة تحت ظله قد ملأ الافق رحمة وأمانا ..و أضاءت جبهته شمس و لم يخبُ بريقها رغم الجراح ، يشعّ رضاً ونور  لم أعهدها كما رأيتها الآن .. هدأت لوعة سيدتي الرباب لفترة وهي تحتضن رضيعها الى صدرها ..  أماه !  يالروعة منظرهما  كأنهما يغفوان بين راحتي سيد الشهداء عليه السلام ..
ثمّ حمل مولانا  ابو عبد الله الرضيع يحتضنه على صدره وقد همّ بالرحيل …
فكأني رأيتها روحي فداها قد تعلقت بأطراف رداء سيدي ابي عبد الله عليه السلام  وخُيّل لي صوت متعب باكٍ ينادي؛ سيدي! ياقرة عيني ! خذني معكماً لا أطيق رجيف قلبي للوداع ، أشعر كأن روحي انشطرت وانطفأت بعيني شمس الحياة؛ معك فقط أشعر بالأمان ..كأنها أوشكت على النهوض لولا ان قواها قواها ولم تحملها قدماها فبقيت بأبي وأمي مفترشة الارض خجلة مشفقة من رؤيته لحالها و قد مُزّقت عباءتها واحترقت أطرافها ..فقد جَمُدَت عيناها عليهما تتمنى ان لا تطرف بجفنها خشية ان لا تراهما ثانية ..
أمي ..أمي.. بكت فاطمة وإسترجعت  ، ثم أكملت كأن سيد الشهداء روحي له الفداء يصبرها ويقبّل جبهتها.. ولسان حاله يقول ..سأترككم في أمان الله وقد أودعت لكم عقيلتنا فهي خيمة عظيمة هي ملاذكم وستركم ان شاء الله.. ستكفيكم ؛ اذا آويتم لركنها المنيع لأنها قد إستندت الى وتدها الشامخ زين العباد كلاهما على هذه الحال يمدها شموخاً وتعود عليه ظلاً وقوة حتى الملتقى عند المليك المقتدر .فصبراً صبراً حبيبتي وعلى الله توكلوا .. فقالت: سيدتي زينب عليها السلام كأنها

تؤمّن على رؤيا مولاتي الرباب
لبيك أخي جعلنا الله عند حسن ظنكم وجمعنا بكم مع جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ثم احتضنتها العقيلة وضمّتها لذلك الصدر الرحيب الذي طالما احتمل طائعاً محتسباً جراحات باكرة من صباح السقيفة وحتى هجير ظهيرة الطف ..
أماه ! ثم  يُخيّل لي أني سمعت صوتاً يالله ..ما أعذبه رخيماً شجياً يفيض خشوعاً كأنه ينطق عن صوت الروح الأمين :
مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ حَتَّى مَتَى وَ إِلَى مَتَى أَقُولُ لَكَ الْعُتْبَى مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ثُمَّ لَا تَجِدُ عِنْدِي صِدْقاً وَ لَا وَفَاءً فَيَا غَوْثَاهْ ثُمَّ وَا غَوْثَاهْ بِكَ يَا اللَّهُ مِنْ هَوًى قَدْ غَلَبَنِي وَ مِنْ عَدُوٍّ قَدِ اسْتَكْلَبَ عَلَيَّ وَ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَزَيَّنَتْ لِي وَ مِنْ نَفْسٍ أَمَّارَةٍ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي‏ مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ إِنْ كُنْتَ رَحِمْتَ مِثْلِي فَارْحَمْنِي…
عمّة زينب :
صلاة الليل يرحمكن الله
سمعاً وطاعة مولاي يا زين العباد ،
سنصلي جلوساً لعله أستر لنا من ثوب الليل الطويل .
قالت أم فاطمة :
حبيبتي هنيئا لكِ هذه الرؤية؛ رزقنا الله في الدنيا زيارتهم وفي الآخرة شفاعتهم ولا فرّق بيننا وبينهم طرفة عين أبدا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات