الدخلُ القليلُ ومصاريفُ الشهرِ الفضيل
يعتقدُ أكثرُ الناسِ أنَّ سببَ المشاكلِ الماديةِ هو قلةُ المال، وهو سبب من الأسباب، إلا أنَّ السببَ في الغالبِ هو أمرٌ آخر، وهو سوءُ إدارةِ المال، وعدمُ التدبير؛ فحالةُ الإسرافِ توجِبُ الفقرَ كما وردَ عنِ الإمامِ الصادق (عليه السلام ): “إنَّ السَرَفَ يورِثُ الفقر”(١)، والاقتصادُ يوجِبُ الغِنى. وفي الأحاديثِ أنَّ التدبيرَ هو كُلُّ الكسب، فقد رويَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ أنّه قَالَ: “سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): بَلَغَنِي أَنَّ الِاقْتِصَادَ وَالتَّدْبِيرَ فِي الْمَعِيشَةِ نِصْفُ الْكَسْبِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): لَا بَلْ هُوَ الْكَسْبُ كُلُّهُ، وَمِنَ الدِّينِ التَّدْبِيرُ فِي الْمَعِيشَةِ”(٢) وهذا كُلُّه يرفعُ من مُستوى القناعةِ لدى الإنسانِ ويُقلِّلُ من الهمِّ والقلقِ على الأمورِ الدُنيوية، ومع قربِ شهرِ رمضان المُبارك ينشغلُ البعضُ بالقلقِ وكيفيةِ التوفيق بينَ الدخلِ القليلِ وما يحتاجونه من طعامٍ في هذا الشهر، وهذا القلقُ يزدادُ نتيجةَ اعتقادِ أنَّ الصائمَ يَشتهي كُلَّ شيء، وينبغي أنْ تُحضِّرَ المرأةُ مُستلزماتِ كُلِّ الشهرِ قبلَ دخوله، وهذا مُتعسِّرٌ على بعضِ الأُسر، فيبدأُ القلقُ بالتطوّر حتى قد يضطرُّ ربُّ الأُسرةِ إلى الاقتراضِ لتلبيةِ حاجةٍ غيرِ ضروريةٍ ولا تستوجبُ الاقتراض! وكانَ من المُمكِنِ بالتدبيرِ والقناعةِ التخلُّصُ من هذا القلقِ بنظمِ الأمرِ من خِلالِ عِدّةِ نقاطٍ منها:
1- الرضا بالموجودِ والتوكُّل على اللهِ (تعالى): ويُعدُّ هذا الأمرُ من جوهرِ الأمور التي تُعينُ الإنسانَ على اكتسابِ حالةِ التوازُن ، فالمالُ وحده لا يجلبُ السعادةَ وإنّما الرضا هو الذي يجلبُ الغِنى النفسي الذي لا يُزعزعه الفقرُ المادي، ويكونُ ذلك بالتدبُّرِ والتفكُّرِ في نِعَمِ اللهِ (تعالى) الموجودة، فعندما يتفكّرُ الإنسانُ ويتوكّلُ على مُدبِّرِ الكونِ كُلِّه سيأتيه العوضُ، ولا يُشترَطُ أنْ يكونَ العوضُ من جِنسِ المفقودِ بل قد يكونُ شعورًا بالسكينةِ وكأنّ الدنيا قد حيزتْ لكَ، فقد رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): “ما أعجب هذا الإنسان مسرورٌ بدركِ ما لم يكُنْ ليفوتَه، محزونٌ على فوتِ ما لم يكُنْ ليُدركه! ولو أنّه فكّرَ لأبصرَ وعلِمَ أنّه مُدبَّر، وأنَّ الرزقَ عليه مُقدَّر، ولاقتصرَ على ما تيسّر، ولم يتعرّضْ لما تعسّر”(٣).
٢- غض النظر عن الفضول من الحاجات: من أخطرِ الأسبابِ التي تُعيقُ نظمَ الأمرِ هو إطلاقُ النظر. فغضُّ النظرِ عن الكثيرِ من الأمورِ يُقلِّلُ من استفزازِ الشهوات، فعندما يذهبُ الشخصُ إلى التسوّقِ دونَ حاجةٍ ضروريةٍ ويُطلِقُ النظرَ إلى كُلِّ ما هو موجودٌ في السوق، أو تتصفّحُ المرأةُ قنواتِ تعليمِ الطبخ، أو تُشاهدُ إحدى صديقاتِها قد طبختْ صنفًا من الطعامِ نشرته على إحدى شبكاتِ التواصُل، هذا يدفعُ إلى تحويلِ الحاجاتِ الكماليةِ غيرِ اللازمةِ إلى أنْ تكونَ حاجاتٍ ضروريةً مُلحة، نتيجةَ إطلاقِ النظر، فينبغي عدمُ التهاونِ بالنظرِ إلى كُلِّ ما يُعرَض. ومن نظمِ الأمرِ أنْ نُحدِّدَ الجهاتِ التي نُطلِقُ النظرَ إليها، فبالإضافةِ إلى أنْ يكونَ النظرُ إلى الحلالِ كذلك لا بُدَّ أنْ لا يُحفّز الشهوات، فإطلاقُ النظرِ من الأمورِ التي تورِثُ الحسرة، وقد رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): “مَنْ غَضَّ طَرْفَهُ قَلَّ أَسَفُهُ وَأَمِنَ تَلَفَهُ”(٤) وخيرُ مُعينٍ على كبحِ الشهواتِ التي تدفعُ الإنسانَ للإسرافِ هو غضُّ النظر، رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): “نِعْمَ صَارِفُ الشَّهَوَاتِ غَضُّ الْأَبْصَارِ”(٥). ومهما كانتْ شدّةُ الصبر على غضِّ البصر فهو أيسرُ من الصبرِ على الآلامِ والآثارِ التي تظهرُ بعدَ أنْ يُطلِقَ الإنسانُ بصرَه.
٣- وضع الخطة: من نظمِ الأمرِ أنْ تضعَ المرأةُ خُطّةً تسوّقٍ بما يُناسِبُ ما يدخلُ على العائلةِ من واردٍ عادةً، وذلك بوضعِ جدولٍ للأكلاتِ التي يرغبُ بها أفرادُ عائلتِها ويُناسِبُ ميزانيةَ الدخل، وليسَ كما هو مُتعارفٌ بوضعِ قائمةٍ للتسوّقِ بصورةٍ مُطلقةٍ وكتابةِ موادٍ قد لا تحتاجُها، ولا تحملُ همَّ غدٍ كثيرًا.. نعم، تُرتِّبُ وتخطِّطُ لكن لا تقلق، فمن أسبابِ السعادةِ هو عدمُ حملِ همِّ المُستقبل بعدَ أنْ يتمَّ التخطيطُ له، فقد رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): “فلا تحملْ همَّ سنتِك على همِّ يومِك، كفاك كُلُّ يومٍ ما فيه”(٦). وليكُنِ العملُ لتحصيلِ الدرجاتِ في الأخرى، حتى في إعدادِ الطعامِ وعمليةِ التدبيرِ، ولتكنْ قضاءُ حوائجِ العائلة قُربةً لله (تعالى)؛ فبذلك البركةُ في أمورِ الدُنيا والأخرى، رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): “مَنْ عملَ لدينِه كفاهُ اللهُ أمرَ دُنياه”(٧).
ولا يكُنِ الاعتمادُ على مقدارِ ما يدخلُ، والاعتقاد بأنَّ الرزقَ من عندِ شخصٍ أو جهةٍ مُعيّنةٍ حتى لو كانَ الشخصُ موظفًا، أو يعملُ لدى ربِّ عمل، فكُلُّ هؤلاءِ أسبابٌ أجرى اللهُ (تعالى) قضاءَ حوائجِ الناسِ على أيديهم، وهو (سبحانه) وحدَه يعلمُ مصدرَ الرزق، فمن أرادَ البركةَ والغِنى والسعةَ من الرزقِ الحلالِ عليه أنْ يتكلَ على اللهِ (تعالى) وحده، ويعتقدَ بذلك اعتقادًا راسخًا، وهذا المضمونُ نجدُه في أحدِ أدعيةِ تعقيبِ صلاةِ العشاء: “اللّهُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ لِي عِلْمٌ بِمَوْضِعِ رِزْقِي وَإِنَّما أَطْلُبُهُ بِخَطَراتٍ تَخْطُرُ عَلى قَلْبِي، فَأَجُولُ فِي طَلَبِهِ البُلْدانَ، فَأَنا فِيما أَنا طالِبٌ كَالحَيْرانِ، لا أَدْرِي أَفِي سَهْلٍ هُوَ، أَمْ فِي جَبَلٍ، أَمْ فِي أَرْضٍ، أَمْ فِي سماء، أَمْ فِي بَرٍّ، أَمْ فِي بَحرٍ؟ وَعَلى يَدَي مَنْ، وَمِنْ قِبَلِ مَنْ؟ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ عِلْمَهُ عِنْدَكَ وَأَسْبابَهِ بِيَدِكَ، وَأَنْتَ الَّذِي تَقْسِمُهُ بِلُطْفِكَ، وَتُسَبِّبُهُ بِرَحْمَتِكَ. اللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِه، وَاجْعَلْ يا رَبِّ رِزْقَكَ لِي وَاسِعًا وَمَطْلَبَهُ سَهْلًا وَمَأْخَذَهُ قَرِيبًا، وَلا تُعَنِّني بِطَلَبِ ما لَمْ تُقَدِّر لِي فِيهِ رِزْقًا؛ فَإِنَّكَ غَنِيُّ عَنْ عَذابِي، وَأَنا فَقِيرٌ إِلى رَحْمَتِكَ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَجُدْ عَلى عَبْدِكَ بِفَضْلِكَ، إِنَّكَ ذُو فَضْلٍ عَظِيم”(٨).
١- الكافي / الكليني / ج ٤.
٢-بحار الأنوار / المجلسي / ج٦٨.
٣-ميزان الحكمة/ محمد الريشهري / ج٢.
٤-ميزان الحكمة/ محمد الريشهري ج٤.
٥-ميزان الحكمة/ محمد الريشهري/ ج٤.
٦-نهج البلاغة / الشريف الرضي.
٧- بحار الأنوار / المجلسي/ج ٦٨.
٨-مفاتيح الجنان / الشيخ عباس القمي .