الإنسانية بين الانتماء والعدالة : رؤية عالمية من فكر الإمام علي

بقلم : : نهاد الزركاني

الإنسانية بين الانتماء والعدالة : رؤية عالمية من فكر الإمام علي

في عالم يزداد فيه الاستقطاب والتوترات الثقافية والدينية، يصبح البحث عن قيم عالمية مشتركة ضرورة لا غنى عنها لبناء مجتمعات أكثر عدلًا وتسامحًا. من بين الرؤى التي يمكن أن تشكل أساسًا لمثل هذا التفاهم الإنساني، نجد مقولة الإمام علي بن أبي طالب التي تختصر في جوهرها فلسفة التعايش العادل:

“الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق.”

هذه الفكرة، التي نشأت في سياق ديني وسياسي محدد، تتجاوز إطارها التاريخي لتقدم مبدأً عالميًا يصلح لكل زمان ومكان. فهي ليست مجرد توجيه لحاكم حول كيفية التعامل مع رعيته، بل هي إعلان لمبدأ إنساني جوهري: كل إنسان يستحق الاحترام والعدالة، سواء كان يشاركك معتقداتك أم لا، لأنه في النهاية شريك لك في الإنسانية.

مبدأ العدالة والاعتراف بالآخر

تنطوي هذه الفكرة على بعدين رئيسيين:

1. البعد الأخلاقي: وهو ما نجده في الفلسفات الإنسانية الحديثة التي تؤكد أن البشر، رغم اختلافاتهم، يشتركون في كرامة أساسية تجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات. هذا ما أكده الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) عندما نص على أن “جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق.”

2. البعد الاجتماعي والسياسي: وهو ما يجعل هذه الرؤية أساسًا لنظم العدالة والمواطنة المتساوية. فالمجتمعات الحديثة تُبنى على فكرة أن القانون يجب أن يكون عادلًا وغير متحيز، وأن الهوية الدينية أو العرقية لا ينبغي أن تكون معيارًا في تقييم الأفراد.

 

التحدي أمام العالم اليوم

رغم أن هذه الفكرة تبدو بديهية، إلا أن الواقع يشهد على صعوبة تطبيقها. فالفكر الإقصائي، سواء أكان دينيًا أم أيديولوجيًا، لا يزال يسيطر على العديد من المجتمعات. بعض الجماعات ترى أن من لا يشترك معها في العقيدة هو “عدو”، وبعض الأنظمة السياسية تتعامل مع مواطنيها وفقًا لانتماءاتهم الطائفية أو العرقية. في هذه البيئة، يصبح التذكير بهذه القاعدة الأخلاقية ضرورة ملحّة.

نحو ميثاق إنساني جديد

إذا أردنا تحويل هذا المبدأ إلى قاعدة عالمية، علينا أن نعيد تقديمه بلغة تتجاوز الأطر الدينية الضيقة، ونربطه بمفاهيم العدالة وحقوق الإنسان. يمكن أن يكون هذا المبدأ حجر الأساس في صياغة “ميثاق عالمي للتسامح والعدالة”، يتم تبنيه من قبل المؤسسات الحقوقية والتعليمية، بحيث يصبح جزءًا من الثقافة السياسية والاجتماعية في العالم.

كيف يمكن تحقيق ذلك؟

1. إعادة صياغة الفكرة بلغة حقوقية: بدلاً من تقديمها كحكمة دينية، يمكن تقديمها كمبدأ إنساني يدعو إلى المساواة وعدم التمييز.

2. دمجها في التعليم: على المناهج الدراسية أن تعزز فكرة أن الاختلاف لا يعني العداء، بل هو جزء من التنوع الإنساني الذي يجب الاحتفاء به.

3. تبنيها من قبل المؤسسات الدولية: يمكن للأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية أن تستند إلى هذا المفهوم في وضع سياسات لتعزيز التعايش السلمي.

4. إبرازها في الإعلام والثقافة: الأفلام، الأدب، والفنون يمكن أن تكون وسيلة فعالة لنقل هذه الفكرة إلى الأجيال القادمة.

 

الخاتمة

ما طرحه الإمام علي ليس مجرد رؤية دينية، بل هو فلسفة إنسانية يمكن أن تكون نقطة التقاء بين الشعوب والثقافات المختلفة. إذا استطاع العالم أن يستوعب هذه الفكرة ويطبقها، فسيكون قد قطع شوطًا كبيرًا نحو تحقيق مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية. لأن في النهاية، الإنسان، مهما كان انتماؤه، يظل شريكًا للآخر في هذا الوجود.

بهذه الرؤية، يمكن أن يتحول نص الإمام علي من توجيه ديني إلى إعلان عالمي للعدالة والتسامح، ليصبح حجر الأساس في بناء مجتمعات تتجاوز الانقسامات، وتعترف بإنسانية الجميع بلا استثناء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات