حارب الله العنف قبل قانونكم فأطيعوه

بسم الله الرحمن الرحيم
((ولو أن أهل الكتاب امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ))
إن الاسرة تعتبر ركيزة المجتمع وأهم بنية فيه لذا حرصت الشريعة أشد الحرص على حمايتها وتحصينها فكما أن الشريعة هي عبارة عن أحكام للعبادات والتي تمثل علاقة العبد مع ربه هي ايضا أحكام للمعاملات التي تنظم حياة الانسان وعلاقاته مع الاخرين كيف يبني علاقته الزوجية والاسرية ؟وكيف يتاجر و يضارب وينمي ماله في الحلال ؟ كيف يبيع ويؤجر ويستأجر ؟ وهذا يشير إلى كون الدين نظاما عاما لكل مجالات الحياة
لكن بُعد المجتمع عن القيم الدينية وعدم إحتكامهم الى شرع الله بخصوص الحقوق والواجبات هو أحد أسباب إنحراف المجتمع عن مساره الذي خُطط له ، فالرسالات الاسلامية جاءت لتهذيب الانسان ورفعه إلى مستوى الكمال الممكن كما أنها تدعوا إلى سيادة الاخلاق في علاقة الفرد مع أسرته بصورة خاصة (وجعلنا بينكم مودة ورحمة) ومع المجتمع بصورة عامة ،فلو وضعت تلك الأمور في نصابها الصحيح َاقيم القسط والميزان لسادت أجواء العدل والمودة والمحبة بين الناس وخففت بذلك من ضنك الحياة ولطفت من حدة الخصومات ، لكن الناس تركوا حدود الله وراء ظهورهم (وأما من اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا )
فلما ضعف إيمان الناس وزاد جهلهم بشريعة ربهم ، عم الظلم وانتشر ، ليس في عالم السياسة وحسب بل في حياتنا الاجتماعية والاسرية ،
وحتى الذين يعرفون شيئا من الشريعة نجدهم يخلطون بين الأمور الفقهية والأخلاقية فتنتهي الأمور إلى نتائج خاطئة ، كالذي يضع يده على أموال ولده بحجة حديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (أنت ومالك لأبيك ) حيث فهم أنه يجوز له أخذ مال ولده متى ماشاء وبقدر مايشاء أو ذلك الذي فهم من قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (لو أمرت أحدا بالسجود لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها ) أن المراد هو الطاعة العمياء
فالجانب الأخلاقي له تفاصيله والفقه له تفاصيله ، فقول النبي صلى الله عليه وآله – أنت ومالك لأبيك – كانت لبيان عظمة حق الوالد على ولده والحديث الاخر لتكريس حالة الاحترام للزوج ففي الفقه تقاس الامور بدقة (بالملمتر ) بينما لا نجد ذلك في الاخلاق ، فالام مثلا التي تتدخل بين ولديها الذَينِ إستدان أحدهما من الآخر وتطلب من الذي إستدين منه أن لا يطالب أخاه بالدين وإلا ” يحرم حليبها عليه ” هو خلط لمفردة أخلاقية وهو إحترام وطاعة الأم مع موضوع فقهي (أعد ما اقترضته من المال لصاحبه وإن كان أخاك وإلا كنت ظالما له )
فإن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على شي سواه ففي حديث عن رسول الله ((إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه ،ولا نُزع من شيء إلا شانه )) ومانراه اليوم من ظاهرة إنتشار العنف في كل المجتمعات سواء كانت الاسلامية منها او غير الاسلامية هو امر غير فطري بل هو مكتسب .
فعنف الاباء والبيئة المحيطة بالفرد هي التي تغرس العنف في العقل الباطن ليصبح موروثا ومتلبسا في البعض تلبس الشيطان لايتوقف ولاينتهي
فالانسان مسؤول بدرجة ما عن أفعاله ( فكل نفس بما كسبت رهينة ) والعنف نمط من أنماط السلوك الذي يظهر فيه القوي سلطته وقوته على الضعيف مستخدما كل وسائل العنف سواء كانت الجسدية أو اللفظية أو المعنوية ،فنرى أن البعض يفهم ولاية الاب أو الجد فهما خاطئا فالولاية تشمل حفظ الولد والدفاع عنه وتأديبه على كرائم العادات وجعلت الشريعة للتأديب ضوابط وخطوات ولم يترك تقديرها الى الاب أو الجد بحيث يكون وفق مايرونه هم فأن تخطينا تلك الضوابط والحدود كان ظلما وتعديا
و جُعل ذلك التأديب على خطوات ومراحل تبدأ منذ نعومة نشأة الطفل كمرحلة بيان الخطأ والصواب ثم مرحلة النصح ولفت النظر بشرط عدم المساس بكرمة من يعاقب كان يعاقبه على مسمع ومراى الاخرين ، وعندما تستنفذ كل الوسائل تعطي الشريعة جواز التأديب بالضرب للأب والجد دون سواهما كالأم والأخ والأقارب فضلا عن الأباعد كالمعلم مثلا وجعلت التأديب يناسب الفعل ضمن حدود وقيود لو تخطاها ثبتت الدية على الأب أو الجد تدفع للولد أو تحفظ له لو كان صغيرا ،فضرب الأم والأخ والعم وووو والمعلم —- بداعي التأديب لايستند الى مستند شرعي بل هو خلاف للحكم الشرعي ،فحتى لو فرضنا إنحراف الابن أو الابنة لايجوز ضربهما إلا إذا صدق عنوان النهي عن المنكر وكانت بشروطه التي فصلها الفقهاء وجعلت ضابطة ضرب غير الولي كالأم مثلا أو المعلم هي أخذ الاذن من الولي (الأب) وجعلت مقيدة بشرط عدم الجرح أو الإدماء أو الاحمرار أو الاسوداد ومنها شرط أن لايتجاوز عدد الضربات عن الثلاثة وفصلت بين الضرب على الوجه وبين الضرب على البدن وجعلت دية الاول ضعف الثاني فلو خُلِفت تلك الشروط أيا كان المخالف ولي أو غيره وجبت الدية مقدرة بمثاقيل من الذهب لتأديب الضارب اقتصاديا هذا مع أخذ الاذن من الولي أما مع عدمه فيحرم عليه ذلك ولم تجوز الشريعة ضرب الطالب البالغ فلا يجيزه الفقهاء من باب الاحتياط

وعندما تقدم الأعراف الجاهلية على الشريعة بأن يعتبر الأخ الأكبر أن له ولاية شرعية كالأب والجد فيقوم بعقوبة أخته فتصل أحيانا الى حد القتل عندما تخطئ بزعمه وهو مايسمى بجرائم الشرف أو غسل العار
وبالرغم أن الحكم الشرعي يقول بأنه لايجوز حتى لمن كانت له الولاية كالأب والجد أن يقوم بالعقوبة بأن يقتل ابنته لأنها مارست الفاحشة فالشرع له ضوابط لابد من ثبوتها بتمام الدقة ومنها شهادة شهود العدول الأربعة أو إعتراف المرأة بذلك مرات متعددة في مجالس متعددة من غير مرض أو حالة نفسية عندئذ يكون الأمر بيد الحاكم الشرعي في تطبيق الحد ، أما ما يقوم به الغير من غير إثبات ولا تراعى في ذلك جهة شرعية فهذا ليس إلا الجاهلية بأسوء صورها وليس إلا وأد للنساء بصورة جديدة فالشريعة تقرر (لئن تخطئ في العفو أحب من أن تخطئ في العقوبة ) فهذا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الذي هو الموقع الشرعي الأسمى لإقامة حدود الله والمحافظة عليها يقوم بتشكيك المعترف بالذنب قائلا ( لعلك قبلت او غمزت اونظرت —)بينما يأتي شاب غر لا يعرف من الإلتزام الديني شيء يقتل أخته بزعم أنه يغسل العار وعندما نأتي لمقايسة الفعلين نجد أن فعله أقبح من فعلها المحتمل فجريمته العمدية في القتل أعظم من الزنا
وللحد من هذه الانتهاكات وغيرها مما يسن بحجة المحافظة على الأسرة من العنف بوضع قوانين بعيدة عن التشريعات الإلهية والتي تزيد الأمور سوءا وإنحرافا لابد من اخذ المبلغين دورهم في توضيح حدود الله من العقوبات على مستخدمي العنف ضد الأبناء أو المرأة ،كما ولابد من وجود متخصصين واستشارين اجتماعيين في كل مؤسسة للعناية بشؤون الأسرة لمعالجة المشكلة من جذورها فمعظم المشاكل بين الاباء وأولادهم تكمن في عدم وعي الوالدين لمتطلبات المراحل العمرية والتي تتغيير بإستمرار وبيان مدى أهمية توفير العاطفة قبل المادة للأبناء فمعظم الذين يمارسون العنف على أولادهم يعتقدون أن ما يقوم به تجاه أولاده هو أمر إعتيادي كونه مورس عليه ومن حقه اليوم أن يفعل الشيء نفسه كما ويجب محاربة كل السلوكيات الدخيلة على المجتمع الاسلامي ومراقبة مايبث ويعرض على أجهزة التواصل الاجتماعي التي عصفت باستقرار الاسرة

هذا والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبا القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

بقلم : أم فاطمة الاسدي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات