السيدة المصطفاة (خديجة بنت خويلد)
هي أُم الزهراءِ (عليها السلام)، هي أم الأئمة الحجج المعصومين صلوات الله عليهم ،هي أم المؤمنين،
كانت لها مكانة عظيمة عند خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله)، لايفتأ يستذكرها بالحزن والشوق والرحمة، والدعاء ،والصدقة ،روي أنَّه قال لإحدى زوجاته: “آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء”
وأما دور السيدة خديجة عليها السلام في الدفاع عن الاسلام ورسول الله صلى الله عليه وآله .
فان هذه الجليلة العظيمة خديجة الكبرى هي ناصرةُ دينِ الله بحقٍ وقوةِ إيمانٍ
وعقيدة في زمانٍ كانت تُبنى أسس وأصول الدين الإلهي الخاتم والعقيدة الإسلامية في عصرِ الجاهلية والعصبية والقبلية وعبادة الأصنام وتحجر القلوب بعنادهم ورفضهم وإصرارهم على باطلهم، فيعتصر قلبه الشريف ألماً وحزناً، في تلك اللحظات العصيبة فكانت كهفاً وملجئاً مملوء بالعطف والرسالة فيشكو بثّه ومعاناته إلى زوجه وشريكة همّه (الهم الرسالي)، فكانت تواسيه وتشدّ من أزرتهُ بكلماتها الحكيمة ونظرات العطف والحنان، فتسكن من آلامه وأحزانه.
في مراحل الشدّة والمشقة والحصار الاقتصادي في شعب أبي طالب، كان لأموال السيّدة خديجة عليها السلام الدور الكبير والحاسم في التخفيف من آثار الحصار الجائر الذي فرض على آل أبي طالب، فكانت هذه السيدة الجليلة تشيع الأمل والطمأنينة في قلوب المسلمين وترفع الحزن والشقاء عن كاهلهم. وعلى الرغم من أنّ الله تعالى كان سنداً وظهيراً لنبيه الكريم ولم يقطع عنه حبل كرمه ولطفه طيلة تلك الفترة العصيبة، إلاّ أنّ وجه السيّدة خديجة عليها السلام المضيء والمشرق، ونظراتها المتفائلة كانت تجعله أكثر إصراراً وعزماً على مواجهة الصعاب والاستعداد لأيّام أصعب وأقسى.
نقف عند بعض كمالات ومؤهلات هذه العظيمة التي وصلت إلى مرتبة أنَّ الله (سبحانه وتعالى) يرسل جبرائيل (عليه السلام) ليوصل سلامه إليها! فقد ورد أنّه “نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسأله عن خديجة (عليها السلام)، فلم يجدها، فقال: إذا جاءت فأخبرها أنَّ ربّها يُقرأها السلام”
امرأةٌ كانت بمستوى من الرفعةِ والسمو وعظيم المنزلة بمكان حتى ورد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لابنته فاطمة (عليها السلام) مواسيًا إيّاها برحيل أمّها: “إنّ جبرئيل (عليه السلام) عهد إليّ أنّ بيت أمّك خديجة في الجنّة بين بيت مريم ابنة عمران، وبين بيت آسية امرأة فرعون، من لؤلؤ جوفاء، لا صخب فيه ولا نصب”
لقد أعطت هذه السيدة الصورة المشرفة والنموذج المضحي بالعطاء والبذل في سبيل المشروع إصلاح وهداية البشرية فإنتقلت من حياة الترف والدلال
الى التعب والمشقة والحصار والمجاهدة
من العبودية والجاهلية والوثنية
الى الحرية والشرف والسيادة الحقيقة مع اشرف الخلق وسيد الأولين والآخرين محمد صل الله عليه واله وسلم والى السعادة الأبدية ورضوان من الله
نعم تقبلت بكل سلام واطمئنان لان غايتها وهدفها هو ارقى وأعظم من كل غنى ؛
كانت أغنى أغنياء العرب
لكن المادة لم تتحكم بها بل هي تحكمت بالمال وهذا درس نستفاد منهُ جميعاً نساءاً ورجال.
أنفقت ماتملك للمسلمين بروح صابرة قوية
لان القيم السامية عندها افضل واكمل من المال والجاه الزائل والدنيا الفانية .
تلك السيدة التي تُعرف بسيدة قريش خدمت النبي بما لها من المكانة والشأن والمنزلة وتشرفت به نسباً
ونصيباً ورفعة في الدنيا والآخرة وهذا من الدروس المهمة لكل النساء
فلاشك إنها أول امرأة دعمت وساندت المشروع الإلهي، فهي المُصدِّقة بكمالِ وتمامِ الصدق والإخلاص لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) بشهادة رسول الله: “وصدقتني إذ كذبني الناس”. وهي الداعمة لدين الله بمالها وبمكانتها الاجتماعية، والمساندة والمؤيدة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ومشروع الرسالة الخاتمة للأديان الإلهية، روي عنه (صلى الله عليه وآله): “ما نفعني مالٌ قط مثل ما نفعني مال خديجة”
وكانت المضحية الصابرة حيث وضعت يدها بيده في المحنة، وخرجت حبيسةً معه (صلى الله عليه وآله) بين جبلين، تفترش الحصباء وتلتحف السماء، وتكابد الجوع والفقر، وهي الثرية المقتدرة! ممتثلة الأمر الإلهي في قوله (تعالى): “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”
، وأول امرأة بلغ إيمانها الكمال بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “ما قام ولا استقام ديني إلا بشيئين: مالُ خديجة وسيف علي بن أبي طالب (عليهما السلام)”
فأن اتباعها وطاعتها وتسليمها للنبي يؤكد يقينها وحسن ظنها بالله وهو سبب الثبات وهذا درس لكل إنسان رسالي عليه ان يقدم الطاعة والتسليم لله ولخاصة أولياءهِ ليحصل على الثبات .
ومن الصفات المثالية التي استحقت ان
يفتخر بها المعصوم مثال الطهارة والعفة كما يصف الامام زين العابدين عليه السلام نفسه بقوله: ” أنا ابن نقيات الجيوب، أنا ابن عديمات العيوب…” أو كما نسلم على الامام الحسين عليه السلام حسب نصوص زيارته: “لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها”. فهذا إنما يكون من امهات طاهرات فاضلات نقيات ومن الملفت انها قبل الاسلام كانت تلقب بالطاهرة كما لقب النبي بالصادق الأمين .
وعلى هذا فخديجة هي المرأة المصطفاة الحائزة على جميع الخصال الحميدة من آداب عالية وفضائل نبيلة مزجت السيدة خديجة (عليها السلام) بين الايمان والعمل فكانت المصداق البارز للحديث الشريف “الايمان هو الإقرار باللسان وعقد في القلب وعمل بالاركان” ومن هنا تراها قد امتثلت الأمر الالهي وآيات الذكر الحكيم بكل رحابة صدر باذلة الغالي والنفيس،
وهي العابدة الأولى مع سيد الأنبياء وسيد الأوصياء (عليهما وآلهما صلوات الله وسلامه)، فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام): “ما كان يصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غيري وغير خديجة”
ولعظيم ما قدّمته من دعمٍ وإسنادٍ لخاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، فضلًا عن إيمانها الراسخ وسبقها في العبادة فقد استحقت أنْ تكون ثاني سيدة للنساء، فقد جاء في حديثٍ له (صلى الله عليه وآله) مع بضعته فاطمة (عليها أفضل الصلاة والسلام): ” …ثُمَّ اطَّلع الثَّالثة فاختاركِ وأمّكِ فجعلكُما سيّدتيّ نساء العالمين”، فالسلام على أم المؤمنين وزوجة رسول رب العالمين، وأم فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، السلام على أوّل نساء هذه الأمّة إسلامًا، جعلنا وإيّاكم من الثابتين على العقيدة والمُضحين لأجل إعلاء كلمة الله في كلِّ مكانٍ وزمان، والحمد لله ربِ العالمين.
بقلم ::: ماجدة الكعبي
المصادر
المصادر:
آل عمران، اية 200
سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب فضائل خديجة، ح 3876 .
بحار الأنوار، المجلسي، ج 60، ص 20 .
الأمالي للطوسي، ص٤٦٨
شجرة طوبى: 2 / 233
تنقيح المقال: 3 / 77″>(2)
القاضي نعمان، شرح الأخبار، ج 3، ص 17.
أمالي الطوسي: 463
حلية الأبرار: 1 / 147
الصحيح من السيرة: 4 / 13″>(3).