تاريخُ أنثى
أيتها الأنثى ..
مِن أين يبدأ تاريخكِ؟
أردتُ أن أجعل لكِ عيدًا؛ يحتفي به كلُّ الناس .. فها أنا أقلِّبُ صفحات التاريخ، وتفاجأت بتاريخكِ المُظلم!
فوجدتُ ما يندى له الجبين، فلقد قاسيتِ كثيرًا .. فمرة وجدتكِ كمتاعٍ يُباعُ ويُشترى .. أيُّ حياةٍ تلك التي كنتِ تعيشينها؟!
ومرة يستورثكِ الاِبنُ الأكبر بعد موتِ زوجكِ لتكوني ملكه بعد أنْ كنتِ زوجة أبيه!
ومرة يحسبونكِ عارًا، يتخلّص منه الرجال عبر دفنكِ وانتِ حيّة!
أما إنْ رغبتِ بالزواج، فللزواج أنواعٌ، لو تحدثتُ عنها لما وجدنا للطهارة فيها مكانا!
وها أنا أحاولُ أنْ أبحث، فقلتُ في قرارةِ نفسي: لعلَّ ما عانته الأنثى كان عند جاهلية العرب
لنبحث في حضاراتٍ أخرى، فوجدتُ الأقسى!
إذاً، كيف لي أنْ أضع تاريخًا للأنثى؟ وأنّى لي أنْ أرفع الظُلامة عنها؟
وإذا بذكرى ولادة الطهر البتول (عليها السلام) تحلُّ علينا وكأنها إعلان ببدءِ تاريخٍ جديدٍ للأُنثى، فها هي الزهراء (عليها السلام) تأتي لتُزهرَ دنيا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله ) لتكونَ بدايةَ تحوّلٍ في تاريخ الأنثى، فبعدَ أنْ كانت متاعًا يُباعُ ويُشترى هيّأها النبي (صلى الله عليه وآله) لتكون مشروعًا لبنتٍ صالحةٍ، وزوجةٍ طائعةٍ، وأمٍّ مربية، وقائدةٍ فذّة ..
اجتمعت هذه المشاريع في ولادة الزهراء (عليها السلام) فاختارها الله لتكون سيدة نساء العالمين وليس ذلك وحسب، بل قَرنَ رضاه برضاها، وغضبه بغضبها، تُرى أيُّ مكانةٍ للأنثى كانت بفضل فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فهي نقطةُ التحوّل الحقيقي لكلِّ أنثى، فكانَ حقًا على كلِّ أنثى إذا ما سُئلت: متى يبدأ تاريخكِ؟
أنْ تُجيب: يبدأ بيوم العشرين من جمادي الثانية.
وإنْ قال أحدهم: ما السبب؟
فالإجابةُ حتمًا ستكون: لأنه ميلاد مَن حوّلت تاريخ الأنثى من تاريخٍ مُظلمٍ إلى تاريخٍ تفخرُ به النساء من كلِّ الأطياف والأجناس..
فها أنا أعلن تاريخي كأنثى، وأعلن عن يوم عيدي الذي أعتزُّ به، فأنا كأنثى .. ميلادي الحقيقي هو نفس يوم ميلاد الزهراء (عليها السلام)، فأنا منها ولها في كلِّ شيء، بأخلاقي، والتزامي، وعفتي، وعباءتي ..
لكنني اليوم وأنا في القرن الواحد والعشرين، أعاني .. فهناكَ مَن يراني مُتخلفةً، وهناك مَن يريدني أنْ أتحرر، وهناك مَن يقول: لا فرق بينكِ وبين الرجل فأنتما متساويان في كلِّ شيء…
عجيبٌ أمرُ هؤلاء! ألا يفكرون بعقولهم؟!
فإنْ كنتُ متخلفةً؛ لأنني أتبعُ مولاتي الزهراء (عليها السلام) فكيف لمتخلفةٍ أنْ تُغير تاريخ الأنثى؟
ولمَن يُريدني أنْ أتحرر أقولُ: مَن قال إنني لا أملكُ الحرية، فأنا لديّ كلّ الحريةِ لكني أرفضُ أنْ تكونَ حريتي أشبهَ بحريةِ البهائم، فحُريتي جعلتُ لها ضوابطَ لا تُخرجني من دائرةِ الإنسانية.
أما التساوي، فنعم، أقبلُ بالتساوي الفكري، أما التساوي في كلِّ شيءٍ فذلك ظلمٌ لي كأنثى، فلقد كلّف الله تعالى الرجال بتكاليف أقوى من النساء، ليس ظُلمًا للنساء، وإنَّما هو من بابِ الإرفاق بجسدها الضعيف وحفاظاً على عفتها، فمَن يطلبُ منّي أنْ أقوم بما يقوم به الرجل، فإنه يُرهقني ولا أقوى على ذلك.
إنهم يظلمون الأنثى، وهذا الظلم الذي رضيت به الكثيرات، أدى إلى التفكك الأسري والانحلال الأخلاقي، يريدوننا أن ننسى أنّ رفعة المرأة ومكانتها كانت بالدين، والزهراء (عليها السلام) خير مثال.
دعوى التحرر والتساوي هي دعوى لنسيان تاريخ الأنثى الحقيقي، فإيّاكنّ أنْ تنسنَّ يوم العشرين من جمادي الثانية، فهو تاريخ الأنثى، احتفلْنَ به، اجعلنه عيدًا للمرأة، ولا ترضنّ بغيره عيدًا…
هكذا نُعيدُ للمرأة مكانتها، لا بما يدّعيه الآخرون.
بقلم ::: وجدان الشوهاني